محمد هادي معرفة
44
شبهات وردود حول القرآن الكريم
الطوفان . فالرواية الأرمنية القديمة لا تعرف - على التحقيق - شيئا على جبل استقرّت عليه فلك نوح . فلمّا أن جاء ذكر جبل في المؤلّفات الأرمنية المتأخّرة تبيّن أنّ ذلك كان بتأثير الكتاب المقدّس ، المتزايد في هذه المؤلّفات . والكتاب المقدّس هو الذي يقول إنّ السفينة استقرّت على جبال أراراط . وأعلى هذه الجبال وأشهرها جبل « ماسك » ( ماسيس ) ومن ثمّ فلا بدّ أنّ نوحا قد حطّ بسفينته على هذا الجبل . أمّا المرحلة الثانية من نموّ هذه الرواية الأرمنية فتردّ إلى الأوربيّين الّذين أطلقوا اسم آراراط ( بالإرمينية : إيراراط ) وهو اسم ناحية على جبل ماسك ، استنادا على تفسير خاطئ لسفر التكوين . « 1 » وإنّما أخذت الرواية القائلة بأنّ « ماسك » هو الجبل الذي استقرّت عليه السفينة ، تجد مكانا في المؤلّفات الأرمنية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر . وتذهب التفاسير الدينية السابقة على هذا في الزمن ، إلى أنّ الجبل المعروف الآن بجبل « الجوديّ » أو جبال « جورديين » ( بالسريانية : قردو . وبالإرمينية : كردخ ) - كما تقول المصادر النصرانية - هو المكان الذي رست عليه سفينة نوح . والمحقّق أنّ هذا التحديد للمكان الذي استقرّت عليه السفينة - وهو التحديد الذي ذكر حتّى في الترغوم ( الترجمة الكلدانية للعهد القديم ) - يسند إلى الرواية البابلية . وقد نشأ من الاسم البابلي « برسوس » . زد على ذلك أنّ جبل « نصر » الذي ذكر في قصّة الطوفان في الكتابات المسمارية يصحّ أيضا أن يحدّد مكانه في جبال « جورديين » بالمدلول الواسع لهذا الاسم . وقد أخذ النصارى بالرواية البابلية اليهودية القديمة ، وعرفها العرب منهم عندما وصلوا بفتوحاتهم إلى إقليم « بهستان » ( بلاد أرمينية ) . وأطلق العرب اسم الجودي - الوارد في القرآن - في غير تثبّت على جبل « قردو » المعروفة بذلك منذ أقدم الزمن .
--> ( 1 ) المصدر : 8 / 4 .